العيني
189
عمدة القاري
كون العهد من وجوهه ، على أنا ، وإن سلمنا ما قاله ، ولكنا لا نسلم كونه للعهد ههنا ، لان تعريف الاسم تارة يكون لواحد من أفراد الحقيقة الجنسية باعتبار عهديته في الذهن ، لكونه فرداً من أفرادها ، وتارة يكون لاستغراق جميع الأفراد ، ولا يفرق بينهما إلاَّ بالقرينة على أنا نقول : إن المعهود الذهني في المعنى كالنكرة ، نحو : رجل فإن السوق ، في قولك : ادخل السوق ، يحتمل كل فرد فرد من أفراد السوق على البدل ، كما أن : رجلاً ، يحتمل كل فرد فرد من ذكور بني آدم على البدل ، ولهذا يقدر ، يسبني ، في قول الشاعر : * ولقد أمر على اللئيم يسبني * فمضيت ثمت ، قلت : لا يعنيني * وصفاً للئيم لا حالاً ، لوجوب كون ذي الحال معروفة ، واللئيم كالنكرة ، فافهم . فان قلت : قد وقع في ( مسند الحارث بن أبي اسامة ) عن إبراهيم بن سعد : ثم جهاد ، بالتنكير ، كما وقع : إيمان وحج . قلت : يكون التنكير في الجهاد على هذه الرواية للإفراد الشخصي ، كما في الإيمان والحج ، مع قطع النظر عن تكرره عند الاحتياج ، أو يكون التنوين في الثلاثة إشارة إلى التعظيم ، وبهذا يرد على من يقول : إن التنكير والتعريف فيه من تصرف الرواة ، لأن مخرجه واحد ، فالإطالة في طلب الفرق في مثل هذا غير طائلة ، ولقد صدق القائل : انباض عن غير توتير . بيان استنباط الفوائد منها : الدلالة على نيل الدرجات بالأعمال . ومنها : الدلالة على أن الإيمان قول وعمل . ومنها : الدلالة على أن الأفضل بعد الإيمان الجهاد ، وبعده الحج المبرور . فان قلت : في حديث ابن مسعود رضي الله عنه : ( أي العمل أفضل ؟ قال : الصلاة على وقتها ) ثم ذكر بر الوالدين ، ثم الجهاد . وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما : ( أي الاسلام خير ؟ قال : تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ) . وفي حديث أبي موسى ، رضي الله عنه : ( أي الإسلام أفضل ؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده ) . وفي حديث أبي ذر ، رضي الله عنه : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أي العمل أفضل ؟ قال : الإيمان بالله والجهاد في سبيله . قلت : فأي الرقاب أفضل ؟ قال : أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها ) الحديث ولم يذكر فيه الحج ، وكلها في الصحيح . قلت : قد ذكر الإمام الحسين بن الحسن بن محمد بن حكيم الحليمي الشافعي ، عن القفال الكبير الشافعي الشاشي ، واسمه أبو بكر محمد بن علي ، في كيفية الجمع وجهين : أحدهما : أنه جرى على اختلاف الأحوال والأشخاص ، كما روي أنه ، عليه السلام ، قال : حجة لمن يحج أفضل من أربعين غزوة ، وغزوة لمن حج أفضل من أربعين حجة ، والآخر أن لفظة : من ، مرادة ، والمراد من أفضل الأعمال ، كذا . كما يقال : فلان أعقل الناس ، أي من أعقلهم ، ومنه قوله : عليه السلام : ( خيركم خيركم لأهله ) . ومعلوم انه لا يصير بذلك خير الناس . قلت : وبالجواب الأول أجاب القاضي عياض ، فقال : أعلم كل قوم بما لهم إليه حاجة ، وترك ما لم تدعهم إليه حاجة ، أو ترك ما تقدم علم السائل إليه أو علمه بما لم يكمله من دعائم الإسلام ولا بلغه عمله ، وقد يكون للمتأهل للجهاد الجهاد في حقه أولى من الصلاة وغيرها ، وقد يكون له أبوان لو تركهما لضاعا ، فيكون برهما أفضل ، لقوله ، عليه السلام : ( ففيهما فجاهد ) وقد يكون الجهاد أفضل من سائر الأعمال عند استيلاء الكفار على بلاد المسلمين . قلت : الحاصل أن اختلاف الأجوبة ، في هذه الأحاديث لاختلاف الأحوال ، ولهذا سقط ذكر الصلاة والزكاة والصيام في هذا الحديث المذكور في هذا الباب ، ولا شك أن الثلاث مقدمات على الحج والجهاد ، ويقال : إنه قد يقال : خير الأشياء كذا ، ولا يراد أنه خير من جميع الوجوه في جميع الأحوال والاشخاص ، بل في حال دون حال ، فإن قيل : كيف قدم الجهاد على الحج ، مع أن الحج من أركان الاسلام ، والجهاد فرض كفاية ؟ يقال : إنما قدمه للاحتياج إليه أول الإسلام ، ومحاربة الأعداء ، ويقال : إن الجهاد قد يتعين كسائر فروض الكفاية ، وإذا لم يتعين لم يقع الاَّ فرض كفاية ، وأما الحج فالواجب منه حجة واحدة ، وما زاد نفل فإن قابلت واجب الحج بمتعيّن الجهاد ، كان الجهاد أفضل لهذا الحديث ، ولأنه شارك الحج في الفرضية ، وزاد بكونه نفعاً متعدياً إلى سائر الأمة ، وبكونه ذبا عن بيضة الإسلام . وقد قيل : ثم ، ههنا للترتيب في الذكر كقوله تعالى : * ( ثم كان من الذين آمنوا ) * ( البلد : 17 ) وقيل : ثم لا يقتضي ترتيباً ، فإن قابلت نفل الحج بغير متعيّن الجهاد ، كان الجهاد أفضل لما أنه يقع فرض كفاية ، وهو أفضل من النفل بلا شك ؛ وقال إمام الحرمين في كتاب ( الغياثى ) : فرض الكفاية عندي أفضل من فرض العين من حيث أن فعله مسقط للحرج عن الأمة بأسرها ، وبتركه يعصى المتمكنون منه كلهم ، ولا شك في عظم وقع ما هذه صفته ، والله أعلم .